أبي بكر جابر الجزائري

141

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

الْأَفْئِدَةَ : أي القلوب . معنى الآيات : ما زال السياق في تقرير التوحيد والدعوة إليه وإبطال الشرك والتنفير منه وقد تقدم أن اللّه تعالى جهل المشركين في ضرب الأمثال له وهو لا مثل له ولا نظير ، وفي هذا السياق ضرب تعالى مثلين وهو العليم الخبير . . فالأول قال فيه : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً أي غير حر من أحرار الناس ، لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ إذ هو مملوك لا حق له في التصرف في مال سيده إلا بإذنه « 1 » ، فلذا فهو لا يقدر على إعطاء أو منع شيء ، هذا طرف المثل ، والثاني وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً صالحا واسعا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً ليلا ونهارا لأنه حر التصرف بوصفه مالكا هَلْ يَسْتَوُونَ « 2 » ؟ الجواب لا يستويان . . إذا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ « 3 » لا يَعْلَمُونَ والمثل مضروب للمؤمن والكافر ، فالكافر أسير للأصنام عبد لها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا ، لا يعمل في سبيل اللّه ولا ينفق لأنه لا يؤمن بالدار الآخرة ، والجزاء فيها ، وأما المؤمن فهو حرّ يعمل بطاعة اللّه فينفق في سبيل اللّه سرا وجهرا يبتغي الآخرة والمثوبة من اللّه ، ذا علم وإرادة ، لا يخاف إلا اللّه ولا يرجو الا هو سبحانه وتعالى . وقوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ هو المثال الثاني في هذا السياق وقد حوته الآية الثانية ( 76 ) فقال تعالى فيه وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا هو رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما « 4 » أَبْكَمُ ولفظ الأبكم قد يدل على الصمم فالغالب أن الأبكم لا يسمع لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فلا يفهم غيره لأنه أصم ولا يفهم غيره لأنه أبكم ، وَهُوَ كَلٌّ عَلى « 5 » مَوْلاهُ أي ابن عمه أو من يتولاه من أقربائه يقومون بإعاشته ورعايته لعجزه وضعفه وعدم قدرته على شيء . وقوله : أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ أي أينما يوجهه مولاه وابن عمه ليأتي بشيء

--> ( 1 ) هذه الآية منزع الفقهاء في ملكية العبد وعدمها ، فذهب مالك إلى أنّ العبد يملك بإذن سيده ، وهو ناقص الملك ، وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد : العبد لا يملك شيئا ، وقالوا : الرّق ينافي الملك ، وقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : ( من أعتق عبدا وله مال ) شاهد لمن قال يملك ملكا ناقصا . ( 2 ) لم يقل يستويان لأنّ من صالحة للواحد والجماعة . ( 3 ) لا يعلمون أن اللّه هو المستحق للحمد دون آلهتهم لأنّ اللّه تعالى هو المنعم بالخلق والرزق ، والأصنام لا تخلق ولا ترزق فلذا الحمد له وحده . ( 4 ) هذا مثل آخر ضربه تعالى لنفسه وللمؤمن . قاله قتادة وغيره . ( 5 ) أي : ثقل على وليّه وقرابته ووبال على صاحبه وابن عمّه .